عبد الرحمن بدوي

78

أرسطو عند العرب

انفعال في الآخر . فهو أيضا راجع إلى مثل ذلك : فالغضب والشهوة لا يكفى في الدلالة على أنهما بدنيان صرفان « 1 » أن البدن بحسب أحواله يؤثر غضبا وشهوة ، فلا يبعد أن يكون البدن إذا صار بحال صار لها النفس المفارقة بذاتها المواصلة بعلاقة ما تستعد أن يحدث فيها انفعال خاص بها من أسباب [ 155 ا ] بدنية ، أو إذا صارت النفس بحال مما يخصها تتبع ذلك حال في البدن من غليان دم أو انتشار عضو . فالذي ندري أن النفس غير متعلقة بنفس الدم المنبث في البدن ، وقد تعرض له انفعالات تابعة لانفعالات النفس أو العضو الذي به أول تعلق النفس . وكذلك يجوز أن يكون التأدى للمحسوسات من خارج إلى البدن ومن البدن إلى النفس ؛ فيكون الحاسّ النفس ، وإن كان السبيل البدن . وإذا توهمنا أن النفس بلا بدن فجائز أن يتأدى إليها من الأمور البدنية ما من شأنه أن يتأدى إليها . وأما ما تأدّى إليها فليس بواجب أن ينقطع عنها ويزول ، إلا أن يصحح أن ذلك لا يثبت إلا بالمقابلة مع السبب . وجائز أن تكون لها انفعالات خاصة لا تلزمها انفعالات من البدن . فما لم يصح أن الغضب والشهوة والحسّ أمور تقوم في المادّة البدنية لم يجب أن يحكم أنها انفعالات بالشركة بسبب أنها تشتد وتفتر أو تسترخى وتضعف ، أو تتبعها أحوال بدنية مع اختلاف أحوال البدن . والدليل على أن الغضب والشهوة لهما انفراد حكم بوجه ، أن العقل يمنع الغضب ويمنع الشهوة ، ولا يمكنه أن يمنع الألم الحسّى ولا اللذة الحسية . فمعلوم أن هذه مبادؤها الأول في النفس . ويعرض لها أن تؤثر في البدن إذا تركت ، حتى إذا منع العقل عن ذلك ، لم ينفعل البدن بشيء . فلا يبعد أن يكون الغضب أو الشهوة أمرا في النفس يتبعه أمر في البدن من غير أن يكون هو معنى في البدن أو قائما به . وقال جالينوس : إن الأخلاق تابعة لمزاج البدن ؛ ولو كانت الأخلاق تابعة لمزاج البدن ، لم يكن بعيدا أن يكون على أن النفس ، وإن كانت مباينة للبدن في القوام ، فإنها تتأثر مع كل مزاج تأثيرا روحانيا تستعد به لسرعة غضب أو مهم أو غير ذلك . والذي يقوله الإسكندر ونبيّنه « 2 » أن النفس لا فعل لها بذاتها من هذا القبيل . وليس في جميع ذلك ما يدل على أن النفس صورة في الجسم .

--> ( 1 ) في الأصل : صرفين . ( 2 ) ص : ونسه .